انتهت الجولة التاسعة للمبعوث الأميركي للمنطقة السيناتور جورج ميتشل دون تحقيق أي اختراق جوهري لجهة وقف العمليات الاستيطانية الإجلائية التهويدية التي تقوم بها سلطات الاحتلال في مناطق الضفة الغربية وفي مدينة القدس ومحيطها، ودون التوصل لتفاهمات محددة تعيد الطرفين المتفاوضين الفلسطيني و"الإسرائيلي" إلى طاولة المفاوضات.
كما انتهت جولة ميتشل التاسعة والأمور تراوح مكانها لجهة الجمود المطبق على العملية السياسية في الشرق الأوسط بالرغم من ضجيج المواقف الإعلامية الأميركية التي دأبت على نشر «التفاؤل المصطنع»، قبل وصول المبعوث ميتشل للمنطقة حين حرصت الإدارة الأميركية على تسريب «مجموعة أفكار» تتعلق برؤيتها لاستئناف المفاوضات، من خلال ما اصطلح على تسميته بالدوائر الأميركية بـ«ورقة تفاهمات»، متبوعة بـ «رزمة إغراءات». وقد عبّرت تلك الأفكار عن تصورات الإدارة حول ضرورة «العودة لطاولة المفاوضات دون شروط مسبقة»، كما أشارت في بعض مضامينها إلى أن «الهدف من هذه المفاوضات يتمثل في المواءمة بين الهدف الفلسطيني، وهو إقامة الدولة فوق الأراضي التي احتلتها "إسرائيل" في الرابع من يونيو 1967 مع إمكان تبادل أراض، والهدف "الإسرائيلي" المتمثل في الاعتراف بيهودية الدولة». وبالتالي العمل على انتزاع إقرار فلسطيني وعربي بما يسمى «يهودية "إسرائيل"»، بينما يتم تضييع حق العودة الذي يشكل العنوان الأبرز للقضية الوطنية الفلسطينية.
وترافقت زيارة ميتشل وجولته التاسعة مع ازدياد حدة الصوت "الإسرائيلي" المتمسك بعمليات الاستيطان والتهويد الجائرة في منطقة القدس وعموم الضفة الغربية المحتلة منذ العام 1967، وترافق معها الحديث عن ضغوط أمريكية مباشرة على السلطة الفلسطينية لجرها إلى طاولة المفاوضات والتنازل عن مطلب وقف الاستيطان الذي يتمسك به الرئيس محمود عباس كأمر لابد منه قبل العودة إلى طاولة المفاوضات، وترافقت الضغوط الأميركية إياها مع التصريح الذي أطلقه الرئيس "الإسرائيلي" شيمون بيريس الذي «حذر» الرئيس عباس من مواصلة رفضه العودة إلى طاولة المفاوضات.
فيما اندفع بنيامين نتانياهو لاشتقاق وإعادة إنتاج رؤيته السياسية السابقة للحل مع الفلسطينيين والعرب بشكل عام بثوب جديد يحمل معه خطوط وزخارف المواقف المتطرفة لأحزاب الائتلاف الحكومي. لكن الطامة الكبرى كانت ومازالت في فقدان التوازن في السياسة الأميركية التي مازالت تراوح عند تخومها المعروفة. فكانت بمثابة زيارة علاقات عامة أو زيارة تنشيط وتحريك محدود من قبل الإدارة الأميركية التي باتت تشعر بأن فشلها في تحريك المفاوضات في المنطقة سيؤدي لتحركات من الآخرين لملء الفراغ السياسي الناتج عن انسداد مسارات التسوية، مثل روسيا والاتحاد الأوروبي، خصوصاً وأن الحديث عن مساعي كل من موسكو وباريس لعقد مؤتمر دولي للسلام بدأت تتصاعد.
فصاحة الوضوح والصراحة عند ميتشل
ومع حديثه عن «رزمة الإغراءات» التي حملها في حقيبته في جولته التاسعة، فقد كان ميتشل فصيحاً واضحاً، إذ لم يخف في جولته التاسعة حقيقة الدور الأميركي تجاه القضية الفلسطينية، متراجعاً عن الأفكار التي كانت قد سوقتها الإدارة الأميركية حول إمكانية إيجاد حل على مراحل يتم من خلاله وقف الاستيطان والإعلان عن قيام دولة فلسطينية خلال أقل من عامين. فما طرحه ميتشل في جولته التاسعة الأخيرة مفاده «أنه ليس من الواقعي وقف الاستيطان الصهيوني قبل المفاوضات في ظل حكومة الثلاثي (نتانياهو، ليبرمان، باراك)» لأن الإدارة الأميركية على حد قوله (لا تستطيع أن تضغط على "إسرائيل" لتقديم تنازلات ما دامت العملية السلمية مجمدة، وإنه مع استئناف المفاوضات يمكن للجانب الأميركي ممارسة دوره في البحث عن الحلول).
ومن هنا، فما جاء به ميتشل أفصح عنه في رام الله أمام الجميع، من خلال موقفه الصريح مع الرئيس محمود عباس في دعوته للعودة إلى طاولة المفاوضات مباشرة، حين طلب من الرئيس محمود عباس العودة إلى المفاوضات من دون أي شروط مسبقة، محذراً من ضياع ما أسماه «فرصة ثمينة» للفلسطينيين متمثلة في وجود إدارة الرئيس باراك أوباما في البيت الأبيض، معتبراً أن مطلب وقف الاستيطان والتهويد «ليس واقعياً» في ظل الحكومة "الإسرائيلية" الراهنة.
وعليه، فان جورج ميتشل أبلغ الرئيس عباس كما تشير العديد من المصادر الفلسطينية المسؤولة بأن الجانب الأميركي لا يستطيع أن يمارس ضغطاً على "إسرائيل" لتقديم تنازلات طالما أن العملية السلمية مجمدة، وبالتالي فان ميتشل دعا الرئيس عباس للعودة إلى المفاوضات وطرح مطالبه «ليتسنى للجانب الأميركي ممارسة دوره» في البحث عن حلول للقضايا المطروحة.
وتفيد العديد من المصادر في حديث مباشر لنا، أن السيناتور ميتشل وجه بالفعل تحذيراً مبطناً للرئيس محمود عباس وللفلسطينيين من أنهم لن يجدوا في البيت الأبيض أفضل من إدارة أوباما لتفهم قضاياهم، حاضاً إياهم على العودة إلى المفاوضات دون شروط، والقبول بما هو مطروح عليهم في اللحظة السياسية الراهنة، وتجنب «تفويت الفرصة المتاحة أمامهم».
سلة إغراءات ميتشل الموهومة
(مقابل X مقابل)
أما «سلة إغراءات ميتشل» (التي قامت الدنيا ولم تقعد في الحديث عنها خلال زيارة ميتشل) فجاءت في حقيبة المبعوث الأميركي في زيارته التاسعة للمنطقة لتشكل في مضمونها نكوصاً وتراجعاً حتى عن «محفزات متواضعة سابقة» كان اقترحها ميتشل ذاته في زيارات سابقة له للمنطقة، لتهبط المحفزات السابقة نحو عناوين جديدة أكثر تواضعاً لتصبح منطلقاً لبدء المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني و"الإسرائيلي"، مثل تحويل مناطق (ب) إلى إدارة السلطة الفلسطينية بصورة كاملة، ونقل أجزاء من المنطقة (ج) الخاضعة بالكامل للسيطرة الإدارية والأمنية "الإسرائيلية" إلى إدارة السلطة الفلسطينية، وإطلاق معتقلين فلسطينيين وإزالة حواجز عسكرية ورفع الحصار عن قطاع غزة.
ولكن ميتشل، وبالمقابل من ذلك طالب الطرف الفلسطيني بدفع أثمان «سلة الإغراءات» (مقابل X مقابل) بالتنازل عن مطالب وقف الاستيطان الجائر الذي طال الأخضر واليابس، والعودة لطاولة البحث بعد إعادة إطلاق المفاوضات وليس قبلها، مستبعداً اقتراحات سابقة كان قد طرحها في جولته الماضية تحت عنوان «تشجيع الفلسطينيين على العودة إلى المفاوضات» مثل إمكانية توجيه رسالة ضمانات إلى الجانب الفلسطيني في شأن الهدف النهائي من هذه المفاوضات، وهو التوصل إلى حل يقوم على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس، وفي هذا التراجع يكمن فشل إدارة أوباما في الضغط على حكومة "إسرائيل" لقبول هذا الأساس للمفاوضات.
وعند الحديث بوضوح أكثر، فإن مبادرة ميتشل أو «سلة إغراءاته» تتضمن خمس نقاط وهي «أن توقف "إسرائيل" اقتحاماتها إلى مناطق (أ) الخاضعة للسيطرة الأمنية الفلسطينية الكاملة حسب اتفاقات أوسلو، وأن يتم تحويل أجزاء من مناطق (ب) إلى مناطق (أ)، وأن يسمح للسلطة الفلسطينية وأمنها الدخول إلى مناطق (ج) وأن يتم الإفراج عن دفعات من الأسرى الفلسطينيين من السجون "الإسرائيلية"». وتقع المناطق التي تسمى «ب» تحت السيطرة المدنية الفلسطينية والأمنية "الإسرائيلية"، أما المناطق «ج» فتخضع للسيطرة "الإسرائيلية" الكاملة، كما تشير «سلة ميتشل الموهومة» وعلى «قاعدة من (دهنه اسقيه) على «تحويل عائدات الضرائب الفلسطينية التي تجبيها "إسرائيل" إلى السلطة الفلسطينية شهرياً وبشكل منتظم، وأن تسهل "إسرائيل" إدخال المواد الغذائية ومواد البناء إلى قطاع غزة»، وهي أموال كان يجب أن تحول أساساً للفلسطينيين وفق اتفاق باريس الاقتصادي بين السلطة الفلسطينية وسلطات الاحتلال، إلا أن الحكومات "الإسرائيلية" المتعاقبة استخدمت منها سلاحاً للضغط على الطرف الفلسطيني الرسمي بشكل متواصل، وجعلت من نفسها تتحكم بحنفية توريد هذه الأموال المجباة للجهات الفلسطينية المعنية.
نتيجة صفرية يتيمة
وعليه، فقد عاد جورج ميتشل إلى واشنطن خالي الوفاض. وبالتأكيد فان مرد فشل ميتشل لا يعود إلى استحالة قيام الإدارة الأميركية بالضغط على "إسرائيل" لإجبارها على وقف عمليات الاستيطان والتهويد، بل يعود لعدم توافر النية الجدية لدى الولايات المتحدة في الضغط على "إسرائيل" لدفعها لوقف عمليات الاستيطان فوراً، وتفضيلها لخيارات الحديث السياسي معها مصحوباً بضغوط إعلامية ناعمة لا تجدي نفعاً مع حكومة ائتلافية تتشكل من عتاة المتطرفين داخل الدولة العبرية الصهيونية.
إضافة لذلك، فان تكتيك الإدارة الأميركية في معالجة موضوع الاستيطان بات مفضوحاً وواضحاً، في مسعى تريد من خلاله الولايات المتحدة (مقايضة) مسائل وقف الاستيطان بتحقيق إنجازات صافية للدولة العبرية الصهيونية ليس أقلها تحقيق انفتاح عربي معها بدرجة ما، تشكل اختراقاً مهماً لجهة كسر سلاح المقاطعة العربية.
وفي هذا السياق، تشير المعلومات المستقاة من مراكز البحث الأميركية المتابعة للشأن الشرق أوسطي إلى أنَّ شعوراً وإحساساً عارماً فرض نفسه على صانعي القرار في الإدارة الأميركية الجديدة، ومفاده يقول بأن قضايا الشرق الأوسط والصراع العربي "الإسرائيلي" متداخلة تداخلاً هائلاً يجعل من الصعب تفكيك كل مشكلة أو قضية لوحدها دون باقي العناصر المتبقية. وهو ما دفع الإدارة الأميركية للتفكير في حلول متداخلة، اختارت لها تسمية «الرزمة».
ولكن، وفي مطلق الأحوال، إن بروز تغيير حقيقي في الموقف الأميركي، وإحداث تحول نوعي في موقف إدارة أوباما لقضايا الصراع في المنطقة أمر غير ممكن في ظل غياب إستراتيجية المواجهة السياسية والدبلوماسية العربية، ومراوحة الموقف العربي مكانه مستنداً إلى لغة الرجاء والاستجداء، والتعويل على الموقف الأميركي، والارتهان إليه. فتوليد المواقف الدولية الجدية والضاغطة على "إسرائيل" يتطلب من العرب رسميين وغير رسميين مغادرة منطق الاستجداء لصالح اشتقاق سياسات جديدة لا تستند لمبادرة يتيمة يحاول الآخرون العبث بعناصرها والهبوط بمضمونها تحت شعار كاذب عنوانه تقديم إغراءات لحكومة نتانياهو.
وبناءً عليه، نستطيع القول أن إدارة الرئيس باراك أوباما، وبمواقفها الأخيرة الفاقعة في انحيازها للدولة العبرية الصهيونية، خيبت آمال العديد من الفلسطينيين والعرب الذين كانوا يعتقدون بأنها ستتخذ موقفاً حازماً من الاستيطان التهويدي الجائر فوق الأرض الفلسطينية، وأنها ستساهم في تحسين العلاقات مع العالم الإسلامي. كما بددت أوهام المراهنين من بعض الرسميين العرب الذين تغنوا بخطاب الرئيس باراك أوباما الشهير في القاهرة في يونيو 2009، وهم الذين اعتقدوا بأن الترياق الأميركي قادم مع قدوم أوباما لسدة القرار في البيت الأبيض. وعليه، فإن زيارة المبعوث الأميركي السيناتور جورج ميتشل إلى المنطقة، لم ولن يكون بإمكانها إنتاج الجديد طالما بقيت الولايات المتحدة تتعاطى مع "إسرائيل" وفق المتوالية ذاتها من المناشدات التي لا ترتقي لفعل الضغط والإجبار، لدفع "إسرائيل" نحو وقف عمليات الاستيطان بشكل كامل، والاستجابة لقرارات الشرعية الدولية.
بينما يبقى الانتظار والارتهان العربي على مواقف أميركية جديدة في جوهره علة العلل، فالموقف الرسمي العربي انتظاري وارتهاني واتكالي، وغير مبادر بالمعنى الحقيقي والتام للكلمة، بالرغم من إطلاق المبادرة العربية منذ قمة بيروت 2002.
ومن هنا فإن (جديد جورج ميتشيل) في «سلته الموهومة» والمتقارب مع مواقف بنيامين نتانياهو، والمليء بسموم المطالب الموجهة للطرف الفلسطيني، لا يواجه بتقديم التكتيكات والسياسات والمواقف اللفظية العربية والفلسطينية، بل بالبحث عن استراتيجيات جديدة على المستوى العربي والفلسطيني، تبدأ بالعودة لتنقية الأجواء العربية واستكمال خطوات التطبيع العربية العربية، والعمل بذات الوقت على وحدة البيت الفلسطيني، وتجديد الائتلاف الوطني الفلسطيني وبمشاركة الجميع دون مناكفة أو استنكاف، وعلى قاعدة برنامج وطني جامع يضم تحت لوائه كافة القوى والفصائل الفلسطينية في فلسطين والشتات.